فخر الدين الرازي

600

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن قوله : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ فيه مسألتان : المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أنه عليه السلام غاب عن خديجة إلى حراء ، فطلبته فلم تجده ، فإذا به وجهه متغير بلا غبار ، فقالت له مالك ؟ فذكر نزول جبريل عليه السلام وأنه قال له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] فهو أول ما نزل من القرآن ، قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ، ثم صلى وصليت معه ركعتين ، وقال : هكذا الصلاة يا محمد ، فذكر عليه الصلاة والسلام ذلك لخديجة ، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وهو ابن عمها ، وكان قد خالف دين قومه ، ودخل في النصرانية ، فسألته فقال : أرسلي إليّ محمدا ، فأرسلته فأتاه فقال له : هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعوا إلى اللَّه أحدا فقال : لا ، فقال : واللَّه لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ، ثم مات قبل دعاء الرسول ، ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه لمجنون ، فأقسم اللَّه تعالى على أنه ليس بمجنون ، وهو خمس آيات من أول هذه السورة ، ثم قال ابن عباس : وأول ما نزل قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [ الأعلى : 1 ] وهذه الآية هي الثانية . المسألة الثانية : قال الزجاج : أَنْتَ هو اسم ما و بِمَجْنُونٍ الخبر ، وقوله : بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال : أنت بحمد اللَّه عاقل ، وأنت بحمد اللَّه لست بمجنون ، وأنت بنعمة اللَّه فهم ، وأنت بنعمة اللَّه لست بفقير ، ومعناه أن تلك الصفة المحمودة إنما حصلت ، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام اللَّه ولطفه وإكرامه ، وقال عطاء وابن عباس : يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة ، وهو جواب لقولهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] واعلم أنه تعالى وصفه هاهنا بثلاثة أنواع من الصفات . الصفة الأولى : نفي الجنون عنه ثم إنه تعالى قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها وذلك لأن قوله : بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يدل على أن نعم اللَّه تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية ، والبراءة من كل عيب ، والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون ، فاللَّه تعالى نبه على هذه الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم له : إنه مجنون . الصفة الثانية : قوله : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وفي الممنون قولان : أحدهما : وهو قول الأكثرين ، أن المعنى غير منقوص ولا مقطوع يقال : منّه السير أي أضعفه ، والمنين الضعيف ومنّ الشيء إذا قطعه ، ومنه قول لبيد : غبش كواسب ما يمن طعامها يصف كلابا ضارية ، ونظيره قوله تعالى : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] . والقول الثاني : وهو قول مجاهد ومقاتل والكلبي ، إنه غير مقدر عليك بسبب المنة ، قالت المعتزلة في تقدير هذا الوجه : إنه غير ممنون عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك ، وليس بتفضل ابتداء ، والقول الأول